محمد بن جرير الطبري
66
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
جاثِمِينَ على ركبهم وصرعى بأفنيتهم . القول في تأويل قوله تعالى : كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ يقول تعالى ذكره : كأن لم يعش قوم شعيب الذين أهلكهم الله بعذابه حين أصبحوا جاثمين في ديارهم قبل ذلك . ولم يغنوا ، من قولهم : غنيت سكان كذا : إذا أقمت به ، ومنه قول النابغة : غنيت بذلك إذ هم لي جيرة * منها بعطف رسالة وتودد وكما حدثني المثني ، فال : ثنا أبو صالح ، قال ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها قال : يقول : كان لم يعيشوا فيها حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة مثله . وقوله : أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ يقول تعالى ذكره : إلا أبعد الله مدين من رحمته بإحلال نقمته كما بعدت ثمود ، يقول : كما بعدت من قبلهم ثمود من رحمته بإنزال سخطه بهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ . . . بِرَشِيدٍ يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا موسى بأدلتنا على توحيدنا ، وحجة تبين لمن عاينها وتأملها بقلب صحيح ، أنها تدل على توحيد الله وكذب كل من ادعى الربوبية دونه ، وبطول قول من أشرك معه في الألوهة غيره . إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ يعني إلى أشراف جنده وتباعه . فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ يقول : فكذب فرعون وملؤه موسى ، وجحدوا وحدانية الله ، وأبوا قبول ما أتاهم به موسى من عند الله ، واتبع ملأ فرعون أمره دون أمر الله ، وأطاعوه في تكذيب موسى ورد ما جاءهم به من عند الله عليه . يقول تعالى ذكره : وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يعني : أنه لا يرشد أمر فرعون من قبله منه ، في تكذيب موسى ، إلى خير ، ولا يهديه إلا صلاح ، بل يورده نار جهنم . القول في تأويل قوله تعالى : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ يقول تعالى ذكره : يقدم فرعون قومه يوم القيامة يقودهم ، فيمضي بهم إلى النار حتى يوردهموها ويصليهم سعيرها . وَبِئْسَ الْوِرْدُ يقول : وبئس الورد الذي يردونه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن تور ، عن معمر ، عن قتادة : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ قال : فرعون يقدم قومه يوم القيامة ؛ يمضى بين أيديهم حتى يهجم بهم على النار حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ يقول : يقود قومه فأوردهم النار حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال . ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس قوله : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ يقول : أضلهم فأوردهم النار حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال . أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عمن سمع ابن عباس يقول في قوله : فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ قال : الورد : الدخول حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ كان ابن عباس يقول : الورد في القرآن أربعة أوراد : في هود قوله : وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ وفي مريم : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها وورد في الأنبياء : حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ وورد في مريم أيضا : وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً كان ابن عباس يقول : كل هذا الدخول ، والله ليردن جهنم كل بر وفاجر . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا القول في تأويل قوله تعالى : وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ يقول الله تعالى ذكره : وأتبعهم الله في هذه ، يعني في هذه الدنيا مع العذاب الذي عجله لهم فيها من الغرق في البحر ، لعنته . وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يقول : وفي يوم القيامة أيضا يلعنون لعنة أخرى . كما : حدثنا بن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد : وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ قال : لعنة أخرى حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ،